أحسبني من هذا الجيل الذي تفتح وعيه على التغيرات الكبرى – أوالإنهيارات الكبرى - في العالم,إنهيار سور برلين الذي لم يكن مجرد سور يفصل بين الألمانيتين بل كان خط فاصل بين فكرتين يشكلان عالمين مختلفين إحدهما عالم يكون الإنسان فيه هو الغاية والهدف وذلك لتحقيق رفاهيته ورخاءه,والأخر عالم يتحول فيه الإنسان الى مجرد وسيلة وأداة لتحقيق غايات تتجاوزه وتعلو عليه(وهي في كل الأحوال لا تتحقق).
لم يكن هدم سور برلين سنة 1989 مجرد هدم لسور من الأحجار بل كان هدما لأحجار أيدلوجية اوأيدولوجيات حجرية نظرت الى الفرد نظرة دونية وحولت الإنسان لمجرد ترس في ألة للوصول للجنة –التي لا تأتي ابدا-
وكان إنهيار السور بمثابة رصاصة الرحمة على ما كان يعرف بالإتحاد السوفيتي تلك الإمبراطورية العملاقة التي تزعمت الكتلة الشيوعية لسبعة عقود ،وسقط الإتحاد السوفيتي بعدما عجزت ألته العسكرية الجبارة وألة القمع الداخلي الرهيبة وألة التضليل الأعلامي الضخمة كل ذلك عجز عن منع هذا السقوط،حيث كان السقوط من داخل الأنسان الفرد الذي زعمت الثورة البلشفية انها قامت من أجله ،عجز هذا الأنسان عن تحقيق الأهداف العليا للجماعة وللدولة بقدر ما عجزت هذه الجماعة وهذه الدولة عن تأمين حقوقه وترسيخ حرياته .
كان لإنهيار الإتحاد السوفيتي أكثر من معنى ولكن كان المعنى الأهم هو أن الدول تبقى وتدوم بقدر ما حافظت على حريات الأفراد وليس بقدر ما تكدسه من ترسانة عسكرية وقدرات قمعية.
كان هذا المشهد هو ما شكل الوعي الكوني لجيل شاب من الليبراليين المصريين وهو الجيل الذي وٌلد في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات وهي الفترة التي شهدت تغيرات اقليمية ومحلية أثرت على المجتمع المصري وجذبته بعيدا عن القيم الليبرالية ،وكانت أهم هذه التغيرات
1- ظهور الثروة في دول الخليج العربي وهجرة العديد من أبناء الطبقة الوسطى المصرية لهذه الدول وعودتهم وقد إكتسبوا ثقافة أكثر محافظة وأقل ليبرالية .
2- تعزيز وجود التيارات الدينية وهي تيارات تناهض الأفكار الليبرالية وتضعها في مواجهة متعسفة وغير حقيقية مع الدين.
3- على الرغم من المؤشرات التي كانت تبشر بإنفراجة سياسية خاصة بعد عودة الأحزاب الا ان هذه المؤشرات لم تصل الى النتائج المرجوة ،فتم التضييق على المفكرين الليبراليين سواء من قبل الدولة أو من قبل التيارات الدينية للدرجة التي دفع فيها عدد من المفكرين حياتهم دفاعا عن مواقفهم التنويرية(مثل فرج فودة)
4- دعم الغرب لإسرائيل على حساب الحق الفلسطيني المشروع أدى لظهور حالة تحفز ورفض ضد كل ما هوغربي بما في ذلك القيم التنويرية،وهذا خلط مُخل بين القيم الحضارية التي لها طابع إنساني عالمي وبين إختيارت الغرب السياسية.
5- كان لمصر تراث ليبرالي كبير بدأ من القرن ال19 الى1952،عجزت التيارات الليبرالية التي ظهرت لاحقا على إستعادة قوته وذلك نظرا لإختلاف الظروف التاريخية والسياسية والضعف التنظيمي لهذه التيارات.
6- قام الحزب الحاكم بتطبيق سياسات إقتصادية لم تحظى بقبول شعبي مثل التصفية (غير المدروسة) للقطاع العام وماصاحبها من عمليات بيع عشوائي وبأقل من القيمة السوقية في ظل إتهامات متزايدة بالفساد،وقد تم كل ذلك تحت شعار الليبرالية مما أدى لحالة تشويش حول المصطلح.
كل ماسبق أدى الى ان يخرج جيل جديد من الليبراليين المصريين وهو مثقل بتراكمات سنوات ماضية ولكنه في نفس الوقت مسلح بثورة معلوماتية-هي الأكبر في التاريخ-أتاحت لنا معرفة التطور الأنساني في إتجاه قيم الحرية والتعايش والتسامح وقبول الأخروالمساواة في الحقوق والواجبات وغيرها من القيم الليبرالية وهي القيم التي يظهر المجتمع المصري في أشد الحاجة اليها وذلك بعد حالة الإنسداد في الشرايين السياسية والإجتماعية لهذا الوطن.وحالة الفرز على أساس الدين التي ظهرت بوضوح مؤخرا.
ظهرت الفكرة الليبرالية في ظروف تاريخية في نهايات العصور الوسطى- تشبه الى حدا ما ظروف مصر في بداية الألفية الثالثة- ؛حيث سيطرت في ذاك الوقت مؤسسة دينية تحتكر السماء؛وإستبداد سياسي يحتكر الأرض,ودفع الناس الثمن في الحالتين وتم قمع الحريات مرة بإسم الدين وأخرى بإسم الجماعة وثالثة بإسم الدولة.
وكان الإستبداد السياسي والديني هو القاسم المشترك بين العالم وقتها..شرقا خلفاء يستخدمون الفقهاء للتخلص من معارضيهم وإضطهاد كل من يخالفهم (والأمثلة تتعدد تبدأ من الحسين الى عبد الله ابن الزبير والجعد أبن أدهم والمقفع ولا تنتهي بأبو حنيفة وأبن حنبل وأبن رشد)،وغربا تحالفت الكنيسة مع الملوك والأمراء الإقطاعيين فكان الحكم بإسم الدين وكان الملوك إرادة الله على الأرض وكل من يخالف او يعارض او يفكر بطريقة مختلفة كان يدفع الثمن (والأمثلة تبدأ من محاكم التفتيش ولا تنتهي بجاليليو)
غير أن المصادفة التاريخية كانت في صالح الغرب الأوربي الذي كان منحناه الحضاري في صعود وللأسف كان المنحنى الحضاري للشرق في حالة تراجع،لذا ظهرت في أوربا الأفكار التي ترفض الحكم بالحق الإلهي حيث ان الله لم يفوض أحد لكي يتحكم في عباده بأسمه كما لم يفوض أحد ليكون وسيطاً لتفسير الكون دوناً عن الناس.
وظهرت النظريات التي ترى ان الحكم بمفهومه السياسي هو عقد بين طرفين يصيغوه وفقاً لإرادتهم الحرة،وهو عقد بشري متغير وليس إلهياً مقدساً لذا فيجوز تغييره وتعديله وتطويره وهو ما عُرف بنظريات العقد الإجتماعي.
كانت الفكرة الأهم في نظريات العقد الإجتماعي تلك الفكرة التي قدمها جون لوك وهي فكرة الحقوق الطبيعية أي إنني انا وأنت وكل البشر حكاماً ومحكومين قد ولدوا بحقوق متساوية لا يسمو فيها إنسان على أخر مهما كانت الإختلافات الدينية او العرقية أو النوعية أو الطبقية التي بينهم،كما لا يجوز لأي سلطة دينية أو دينيوية أن تجرد الأفراد من هذه الحقوق..وهي كالتالي..
1-الحق في الحياة.
2-الحق في الإعتقاد والتعبير عن هذا الإعتقاد بحرية.
3-الحق في التملك،حيث كانت الملكية حكراً على طبقة الإقطاعيين مما سهل لهم إحتكار الثروة والسلطة،والإحتكار سواء كان بمعناه السياسي أو الإقتصادي هو امر ضد الليبرالية تماماً.
ولا أنكر أن جزء كبير من هذه الأفكار له جذور في تراثنا،فالحضارة الإنسانية سلسلة متتالية يكمل بعضها البعض،وكما نستفيد من افكار ظهرت في الغرب إستفاد الغرب من أفكار لها جذور لدينا .
إن الإسهام الأكبر لمفكري الغرب كان صياغة هذه الأفكار لتحدد شكل واضح لحرية الفرد لا يسمح للسلطة سواء كانت دينية او سياسية إختراقه او إنتهاكه.
وبناءً على فكرة الحقوق الطبيعية ظهر مايمكن ان نسميه منظومة القيم الليبرالية،أي القيم التي لا يمكن أن تتحقق الليبرالية بدونها..وأهم هذه القيم في إعتقادي قيمة الإختلاف فالليبرالية تؤمن بأن البشر مختلفين بطبعهم سواء في أفكارهم أو خلفياتهم الدينية والثقافية والعرقية والإجتماعية،كما ترى إن افضل ما في البشر هو إختلافهم،فهذا الإختلاف هو مايؤدي الى الإبداع والتنافس والتطوير.
وحول قيمة الإختلاف ظهرعدد من القيم الإساسية مثل قبول الأخر (أي قبول من يختلف معك)والتسامح(اي ان تقبل أن يكون لهذا المختلف رؤية مخالفة،وله كل الحق في التعبير بكل الطرق السلمية عن هذه الرؤية)والتعايش(اي العيش والتواجد المشترك للأفكار المختلفة جنباً الى جنب دون أن يسعى طرف لإستبعاد او إقصاء الأطراف الأخرى)،نسبية الحقيقة(اي انه لا يوجد رأي يحتكر دون سواه الحق المطلق‘فالحقيقة نسبية تختلف من فرد لأخر على حسب نظرة كل طرف وطريقة تفكيره).
كما يظهر عدد أخر من القيم المرتبطة بالرؤية السياسية لليبرالية والتي تنطلق من أن البشر كلهم لهم نفس الحقوق الطبيعية لذا فالليبرالية تؤمن بدولة القانون التي يتساوى فيها كل الأفراد أمام القانون حكاماً كانوا او محكومين،كما تؤمن الليبرالية بمسئولية الحاكم أي ان الحاكم وصل الى الحكم بموجب تفويض حر او عقد من الأفراد المحكومين،وهذا التفويض يقابله مسئولية،فالحاكم دائما موضع مسائلة ومحاسبة شعبية لمراجعة مدى إلتزامه بشروط العقد أو الدستور,ويمكن محاسبة الحكم وعزل الحاكم إذا ما أخل بالشروط أو إذا ما توافقت إرادة الأفراد على عزله.
وبما إن الليبرالية ضد الإحتكار فهي تؤمن بالتداول السلمي للسلطة عن طريق التنافس السياسي بين الأفكار المختلفة (وذلك عن طريق الإنتخاب الحر الذي يختار فيه الأفراد من ينوب عنهم لإدارة شئونهم العامة او من يمثلونهم في تشريع القوانين ومراقبة الحكومة فيما يعرف بالبرلمان).
والليبرالية على المستوى الإقتصادي قائمة على فكرة حرية التملك مع حرية التنافس داخل السوق وذلك لا يتم إلا عن طريق منع الإحتكار وتشجيع التنافس حيث تؤمن الليبرالية أن التنافس في الإقتصاد -كما في السياسة- سيؤدي لرفع كفاءة الخدمات والسلع.
ربما يكون أكثر ما يدهشني في الليبرالية هذه القدرة المذهلة على نقد الذات وتصحيح الأخطاء،ففي الوقت الذي وقعت فيه العديد من الأفكار أسرى للجمود العقائدي والإنغلاق الفكري طورت الليبرالية من أدائها الإقتصادي،فبعد أن فشلت أفكار كانت تدعو لترك السوق يعمل وفقاً لألياته دون تدخل من الدولة إستطاعت الليبرالية أن تستوعب أخطائها الإقتصادية وظهرت مدارس ليبرالية تنادي بتدخل الدولة لضبط السوق ومنع الإحتكار او إستغلال العاملين أو إهدار حقوق الفرد سواء كان عاملاً او مُستهلكاً،فظهرت في الدول الليبرالية حزمة قوانين تُحّرم الإحتكار وتفرض ساعات محددة للعمل ومستوى محدد للأجور وأيام للأجازات والعطل ومستوى قياسي لجودة السلع وشبكة ضخمة للأمان الإجتماعي كالتأمين ضد البطالة والعجز والمرض والشيخوخة وإمتيازات متعددة عجزت الدول التي إدعت انها قامت من أجل حقوق العمال على مجاراتها.
هذه المرونة الإقتصادية صاحبتها مرونة سياسية حيث كانت تطبيقات الليبرالية تختلف من بلد لأخر ومن تيار سياسي الى تيار أخر،إختلافات كانت تؤدي الى إثراء الفكرة الليبرالية دون الإخلال بمضمونها.
أدهشني أكثر في الليبرالية إحترامها للخصوصية الثقافية للشعوب،فهي ليست ضد الإختلافات كما ذكرنا بل تتعايش معها وتتفاعل،كما إنها لم تكن ضد الدين كما يصورها البعض بل كانت دائما دعوة للتسامح الديني والثقافي تضمن لكل فرد إعتناق ما يتوافق مع قناعاته دون إجبار أو تدخل في الإعتقاد الديني ودونما أن يكون هذا الإعتقاد سببا لأي تمييز أو إضطهاد.
لذا فإن تسامح الليبرالية مع الإختلاف الديني والمذهبي هو الضامن الوحيد والحل الأمثل لمجتمعات تتنوع فيها المذاهب الدينية دون إقصاء لأتباع مذهب أو دين.
لذا فلا تتعجب كثيرا حينما تعرف أن الليبرالية هي واحدة من أقدم الأفكار التي ظهرت في الدولة المصرية الحديثة في بدايات القرن ال19 ،إختلطت الليبرالية بالخصوصية المصرية فظهرت في صورة مصرية خالصة،وقدمها لنا أول ما قدم شيوخ مٌعممين (وليسواخواجات ببرانيط)حيث ظهرت بدايات التراث الليبرالي في مصر مع أفكار للأزهري(حسن العطار)ودعوة منه للإستفادة من المنتج الحضاري الغربي بما يتناسب معنا،ثم تبعه أزهري أخر هو (رفاعةالطهطاوي) الذي ترجم الدستور الفرنسي وأنبهر بالقانون الذي يساوي بين المواطنيين حكاماً ومحكومين وكان على الرغم من تحفظه على بعض مظاهر المدنية الأوربية لا يخفي إعجابه بتراث الحريات الأوربي.،ثم تبعه شيخ أخر قادم من سوريا هو (عبد الرحمن الكواكبي)الذي دفع حياته ثمناً لكشفه لما أسماه(طبائع الإستبداد) في الفكر السياسي العربي،ولا ننسى المُصلح الديني الكبير الشيخ محمد عبده وماله من أراء مستنيرة لإصلاح الجمود الديني الذي أخّر التقدم لقرون.
وتوالت الأسماء لما يمكن ان نسميه بشيوخ عصر النهضة المصرية أو الأباء المؤسسين لليبرالية المصريةحيث تم تتويج نضالهم بواحدة من أعظم ثورات مصر إن لم تكن أعظمهم وهي ثورة الشعب المصري 1919 للمطالبة بالإستقلال والدستور وهي الثورة التي انتجت دستور 1923 الذي أقر ولأول مرة في التاريخ المصري أن الأمة المصرية هي مصدر كل السلطات،وتشكلت على أثر هذا الدستور مايسمى بالحقبة الليبرالية والتي كانت على الرغم من عيوبها- مثل إنقلاب القصر على الشرعية الدستورية وتدخل سلطات الإحتلال الإنجليزي- الا إنها فترة شهدت تداول للسلطة بين أحزاب مختلفة(على الرغم من تدخلات القصر ضد الإرادة الشعبية)،وتألق الحريات الأكاديمية وإزدهار الحياة الأدبية والفنية وشهدت مصر عمالقة ما بين أُدباء وشعراء وفنانين وعلماء وسياسيين‘مما يعني أن التجربة كانت في حالة نمو على الرغم من سلبياتها ولكن بدلا من البناء على هذا التراث العظيم تم هدمه تماما والإنقلاب عليه بعد يوليو1952 والذي بدأ حقبة جديدة لها مالها وعليها ماعليها ولكن أسوأ ما كان عليها إنها أنقلبت على هذا التراث الليبرالي الكبير.
إن الليبرالية ليست مجرد أيدلوجيا جامدة بل مشروع حضاري إنساني يعطي للإنسان الفرد مجال خاص يتمتع فيه بحرية الإختيار والتفكير والفعل لا سلطان عليه إلا ضميره وقناعاته وذلك دون الإعتداء على حقوق الأخرين.
وأظن إن هذا المشروع هو القادر على الإنطلاق بقدرات الإنسان ومواهبه التي تعطلت وتيبست بفعل عوامل الإستبداد والقمع السياسي والإجتماعي..
علشان كل ده.... أنا ليبرالي.